السيد محمد تقي المدرسي
219
من هدى القرآن
الحقيقة بدأت لديهم . وَأَسَرُّوا النَّجْوَى يبدو أنهم اتفقوا على أمر معين وأخفوه ، ولم يكن اتفاقهم على باطل ، لأنهم كانوا متفقين عليه منذ السابق . يقول بعض المفسرين : إن السحرة اتفقوا على أنه لو غلبهم موسى خضعوا له ، وقد كان هذا المنظر مثيراً ، لأن السحرة يعتبرون كيداً لفرعون ، وأداة ينفذ بها مآربه ، وهاهم يناجي الواحد منهم الآخر ، خشية بطش فرعون ، وتتضح هنا تبعية العلم للقوة وأيضاً ما زالوا يطمعون في ثواب فرعون . [ 63 ] قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى يبدو أن المعارضة كانت موجودة ، وأن الطاغوت كان خائفاً من أن يميل الشعب تجاه موسى ، ولذلك كان يريد أن يخلق الحاجز النفسي بين الشعب ومنقذيه ، فادعى أن موسى وهارون يستخدمان السحر للوصول إلى أهداف سياسية ، بل أهداف إجرامية تتمثل في إخراجكم من أرضكم ، وهذا ما يعمله الطغاة عندما يريدون أن يواجهوا تجمعاً أو حركة حيث يربطون تحركهم بما يكره الناس ، ثم بعد أن اتهموا موسى عليه السلام بأنه ساحر أضافوا كلمة أخرى وهذه الكلمة لا يقولها عادة إلا مرتزقة الأنظمة من علماء السوء حيث قالوا : بأن موسى وهارون يريدان أن يذهبا بطريقتكم المثلى ، أي إن هؤلاء يريدان أن يخرجاكم من دينكم وقيمكم ، وهذا ما يقوم به علماء السوء في كل عصر ومصر ، إنهم يدعون بأن المصلحين الرساليين يريدون هدم مقدسات الأمة . [ 64 ] فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً ولا يعني ذلك أن الطغاة يدعمون الوحدة ، بل يريدون صنع وحدة مزيفة تقف حجر عثرة أمام الرساليين ، وعلماء السوء يؤكدون ضرورة الوحدة حتى تلك الوحدة القائمة على أساس باطل ، ومن ثم أثار هؤلاء العلماء رغبة نفسية وسخة حين قالوا : وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنْ اسْتَعْلَى إننا الآن في صراع ، وهذا الصراع حاد ، وهذه اللحظات مصيرية في حياتنا ، ونحن نريد أن تجمعوا كيدكم ، وتوحدوا صفوفكم ، حتى نتغلب على هؤلاء المتمردين . . هذه الكلمات لا يشيعها إلا وعاظ البلاط ومرتزقة الفكر .